ابن تيمية
23
مجموعة الفتاوى
قَالُوا : يُضْرَبُ حَتَّى يَخْتَارَ ؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ وَيُضْرَبُ حَتَّى يَقُومَ بِهِ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ : { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ } . وَالظَّالِمُ مُسْتَوْجِبٌ لِلْعُقُوبَةِ . وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ } " اللَّيُّ : الْمَطْلُ وَالْوَاجِدُ : الْقَادِرُ . فَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن القَادِرِ الْمَاطِلِ عِرْضَهُ . وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ . وَالْمَعَاصِي تَنْقَسِمُ إلَى تَرْكِ مَأْمُورٍ وَفِعْلِ مَحْظُورٍ . فَإِذَا كَانَتْ الْعُقُوبَةُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ - كَعُقُوبَةِ هَذَا وَأَمْثَالِهِ مِنْ تَارِكِي الْوَاجِبِ - عُوقِبَ حَتَّى يَفْعَلَهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ ذَكَرُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ : أَنَّهُ يُضْرَبُ مَرَّةً بَعْد أُخْرَى . حَتَّى يُؤَدِّيَ . ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَ ضَرْبَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِتِسْعَةِ وَثَلَاثِينَ سَوْطاً . وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ ؟ أَمْ لَيْسَ بِمُقَدَّرِ ؟ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُعَزِّرَهُ عَلَى امْتِنَاعِهِ عُقُوبَةً لِمَا مَضَى وَلَهُ أَيْضاً أَنْ يُعَاقِبَهُ حَتَّى يَتَوَلَّى الْوَفَاءَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَتَوَلَّى هُوَ بَيْعَ مَالِهِ وَوَفَاءَ الدَّيْنِ .